عبد القادر الجيلاني

32

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

[ طه : الآية 114 ] ولذا تأخر جبرائيل عليه السّلام ليلة المعراج ، ولم يستطع أن يتجاوز من سدرة المنتهى . ثمّ وصف الشّجرة بقوله تعالى : . . . لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ . . . [ النّور : الآية 35 ] لا يعرضها الحدوث والعدم والطّلوع والغروب بل أزليّة لم تزل كما أنّ اللّه واجب الوجود قديم أزليّ لم يزل ولا يزال أبديّ . فكذا صفاته تعالى لأنّها أنواره وتجلّياته . وهي نسبة قائمة بذاته فلا يبعد أن يكشف حجاب النّفس من وجه القلب ، فيحيى القلب بإضافة تلك الأنوار ، فيشاهد الرّوح من تلك المشكاة صفات الحقّ مع أنّ المقصود من خلق العالم كشف ذلك الكنز المخفيّ كما مرّ البيت . وأمّا رؤية ذات اللّه تعالى فهي في الآخرة بلا واسطة المرآة - إن شاء اللّه تعالى - بنظر السّرّ ، وهو المسمّى بطفل المعاني كما قال اللّه تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : الآيتان 22 ، 23 ] . ولعل المراد من قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رأيت ربّي على صورة شابّ أمرد » « 1 » هو طفل المعاني ، ويتجلى الرّبّ على هذه الصّورة في مرآة الرّوح بلا واسطة بين المتجلّي والمتجلّى له ، وإلّا فالحقّ منزّه عن الصّورة والمادّة وخواصّ الأجسام ، فالصّورة مرآة المرئيّ غير المرآة والرّائي فافهم ، فإنّه لبّ السّرّ ، وهذا في عالم الصّفات لأنّ في عالم الذّات تحترق الوسائط ويمحو ، ولا يسع في ذلك غير اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عرفت ربّي بربّي » « 2 » . - أي : بنور ربي - . وحقيقة الإنسان محرم لذلك النّور كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « الإنسان سرّي وأنا سرّه » « 3 » ، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا من اللّه تعالى ، والمؤمنون منّي » « 4 » . وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « خلقت محمّدا من نور وجهي » « 4 » ، والمراد من الوجه الذّات المقدسة المتجلّية في صفات الأرحميّة كما

--> ( 1 ) أورده السيوطي في اللآلىء ( 1 / 30 ) ، عن ابن عباس . وكذلك أورده الذهبي في الميزان ( 2 / 363 ) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية ( 1 / 36 ) ، والقاري في المصنوع ( ص 102 ) ، والعجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 527 ) . قلت : والحديث لا يحتمل إلا الرؤية المناهية ، لا على الحقيقة ، ونسلم بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه ، وجواز الرؤية للمؤمنين في الآخرة ، ولا ينكر ذلك إلا معتزلي ، وعزّ اللّه عن الشبيه والمثلية . ( 2 ) لم أقف عليه مرفوعا ، وقد تقدم من قول الفاروق عمر . ( 3 ) لم أقف عليه . ( 4 ) تقدّم تخريجه .